‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسئلة مسيحية هامة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسئلة مسيحية هامة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 18 ديسمبر 2011

تعاليم العهد القديم والعهد الجديد

تعاليم العهد القديم والعهد الجديد
س: لماذا نجد فرقاً في التعليم والسلوك بين العهد القديم والعهد الجديد؟

ج: الحقيقة إن الرب يسوع المسيح نفسه قد تولّى الإجابة على هذا السؤال قائلاً: "لا تظنُّوا أني جئت لأَنقض الناموس أو الأنبياءَ. ما جئت لأنقض بل لأكمّل. فإني الحقَّ أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرفٌ واحدٌ أو نقطةٌ واحدةٌ من الناموس حتى يكون الكل." وهنا نرى أن العهد الجديد قد كمّل العهد القديم لكنه لم ينقضه أو ينفيه أو ينسخه، فالعهد الجديد أَكمل في تعاليمه الناموس والأنبياء.

س: لكن ما هو الفرق بين الناموس والأنبياء؟
ج: الناموس هو التوراة، أي الأسفار (أو الكتب) الخمسة الأولى في العهد القديم التي أعطاها الرب لموسى، وتتضمن إعلان الله عن الخليقة، والطوفان، والعهد مع إبراهيم، ونزول الشعب إلى أرض مصر في أيام يوسف، ثم خروج الشعب بواسطة موسى، ثم إعطاء الشريعة والوصايا والفرائض في جبل سيناء وغير ذلك. أما الأنبياء فيتضمن كل الأسفار المقدسة التي أوحى بها الله لأنبيائه بعد التوراة، وتتضمن كل الأسفار المقدسة في العهد القديم بعد الناموس، وحينما يقول الرب يسوع المسيح الناموس والأنبياء يقصد كل العهد القديم.

س: لكن هل قول المسيح له المجد "ما جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء بل لأكمّل" يشير أن هناك نقصاً في الناموس والأنبياء وهذا النقص يحتاج إلى تكميل؟
ج: مكتوب "كلُّ الكتاب هو مُوحىً بهِ من الله"، ومكتوب أيضاً "لأنهُ لم تأتِ نبوَّةٌ قط بمشيئَة إنسانٍ بل تكلَّم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس". وهذا ما وضحه المسيح حينما قال "فإني الحقَّ أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرفٌ واحدٌ أو نقطةٌ واحدةٌ من الناموس حتى يكون الكل." لكن الاحتياج إلى تكميل هنا ناتج من طبيعة الإنسان، فالله في العهد القديم يتكلم إلى البشرية في طفولتها، فهي لا تستطيع أن تحتمل كلَّ الحق فأعطاهم الرب الحق بتشبيهات، وتصويرات، وذبائح، وفرائض رمزية كما قرأنا سابقاً أن لا يأكلوا بعض الأطعمة لبعض صفات فيها، ويأكلوا الأطعمة التي ليست لها هذه الصفات وبذلك يعلمهم الله القداسة من هذه الصفات المكروهة وتلك الصفات المرغوبة، وكأنما مُدرس للحساب مثلاً يريد أن يُعلّم الأطفال مبادئ علم الحساب فيُحضر لهم برتقالة ثم برتقالة أخرى ويجعلهم يستخدمون أصابع أيديهم ليتعلموا كيف أن + = لكن حينما يكبر الطفل لا يحتاج مُدرس الحساب إلى برتقال ولا إلى أصابع اليدين، بل يُقدم لهم أعماق علم الحساب وهم يستطيعون أن يتفهموا ويتلذذوا بهذه الأعماق ويتذكرون طفولتهم ويشكرون حكمة المدرس الذي استخدم البرتقال والأصابع لتعليمهم مبادئ العلم ويتلذذون بحاضرهم بعمق مداركه وعلمه.
لذلك مكتوب عن الناموس "لأن الناموس إذ لهُ ظلُّ الخيرات العتيدة - أي الآتية في العهد الجديد - لا نفس صورة الأشياءِ لا يقدر أبداً بنفس الذبائح كل سنةٍ التي يقدّمونها على الدوام أن يكمّل الذين يتقدَّمون." فالناموس والأنبياء كانوا ظلالاً ورموزاً لحقيقة تمت في العهد الجديد، وكانوا أموراً ابتدائية أُكملت وتحققت في العهد الجديد.

س: لكن قد يقول قائل أنه إن كان المسيح قد كمّل الناموس والأنبياء إذاً يمكن أن يأتي أنبياء آخرون بعد المسيح ليكملوا تعاليمه؟

ج: هذا الافتراض لكي يكون صحيحاً يستلزم أن يكون المسيح مثل باقي الأنبياء، ولو كان الأمر كذلك لكان الحق الإلهي المُعلن للبشرية دائماً يحتاج إلى تكميل دون نهاية، لكن شكراً للرب فمحبة الله للبشر لم تسمح بهذا كما هو مكتوب "الله بعد ما كلَّم الآباءَ بالأنبياءِ قديماً بأنواعٍ وطرقٍ كثيرة كلَّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنهِ الذي جعلهُ وارثاً لكلِّ شيءٍ الذي به أيضاً عمل العالمين الذي وهو بهاءُ مجدهِ ورسم جوهرهِ وحاملٌ كلَّ الأشياءِ بكلمة قدرتهِ بعد ما صنع بنفسهِ تطهيراً لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي" فقديماً كلم الله الآباء بالأنبياء، أما في الإنجيل فقد كلمنا الله في ابنه. وهناك فارق كبير جداً بين "بالأنبياء" و "في ابنهِ"، بالأنبياء أي أن الله كان يوحي للنبي بكلامه والنبي يتكلم بكلام الله. أما في ابنه فتعني التجسد، تعني أن "الله ظهر في الجسد" كما هو مكتوب أيضاً "والكَلِمَة صار جسداً وحلَّ بيننا ورأينا مجدهُ مجداً كما لوحيدٍ من الآب مملوءًا نعمةً وحقاً." فالمسيح لا يتكلم بكلام الله بُناء على ما أوُحيَ إليه من الله كباقي الأنبياء لكنه يتكلم بكلام الله الحالّ فيه. فالمسيح هو كلمة الله، وأوضح لنا المسيح هذه الحقيقة بقوله "أنا في الآب والآب فيَّ." وأيضاً في قوله "أنا و الآب واحد".

لذلك لا نجد المسيح يكتب كتاباً كباقي الأنبياء مثل اشعياء أو ارميا أو حزقيال أو دانيال أو غيرهم الذين كتبوا ما أُوحي به إليهم، أما المسيح فلم يكتب كتاباً لأنه هو نفسه الكتاب. فالمسيح هو كلمة الله الذي "حلَّ بيننا ورأينا مجدهُ مجداً كما لوحيدٍ من الآب مملوءًا نعمةً وحقاً."، والكتاب المقدس هو سيرة حياة المسيح الذي هو الله الذي ظهر في الجسد. مكتوب عنه في سفر اشعياء في الأنبياء في العهد القديم "ها العذراءُ تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمهُ عِمَّانوئيل." "الذي تفسيره الله معنا".

قال له أحد تلاميذه وهو فيلبس "يا سيد أرنا الآب وكفانا."، وقد تجاسر فيلبس وطلب هذا الطلب من تبجيله لشخص المسيح وإجلاله له فطلب منه المستحيل، ففيلبس يعلم أنه في القديم عندما طلب موسى من الله أن يرى مجده قال الله لموسى "لا تقدر أن ترى وجهي. لأن الإنسان لا يراني ويعيش." لكن هنا فيلبس من تأثره البالغ من حياة المسيح المجيدة الإلهية المقدسة، قال في نفسه إن المسيح يقدر أن يرينا الآب فطلب ذلك منه. لكن الأروع من هذا رد المسيح عليه "قال لهُ يسوع أنا معكم زماناً هذه مُدَّتهُ ولم تعرفني يا فيلبُّس. الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرِنا الآب. ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيَّ." أي أن المستحيل الذي يطلبه فيلبس أن يرى الآب قد صار واقعاً ملموساً في المسيح. فالمسيح في الآب والآب فيه ومن رأى المسيح فقد رأى الآب، لذلك فإنجيل ربنا يسوع المسيح هو الإنجيل الكامل كما قال يسوع "أنا هو الطريق والحقُّ والحياة." وهذا من نعمة الله ومحبته للبشر أنه خلَّصنا وافتدانا وكلَّمنا وأكمل كل شيء في المسيح يسوع، الله الذي ظهر في الجسد.

ثم إن المسيح قد أكمل العمل، وأكمل الرسالة الإلهية تماماً، فشهد المسيح نفسه على الصليب وقبل أن يستودع روحه بين يدي الله قائلاً "قد أُُكمل." ويؤكد العهد الجديد ذلك في رسالة العبرانيين حيث مكتوب عن المسيح إنه "بدم نفسهِ دخل مرَّةً واحدةً إلى الأقداس فوجد فداءً أبدياً." ويؤكد أيضاً قائلاً "فمن ثمَّ يقدر أن يخلّص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون بهِ إلى الله إذ هو حيٌّ في كل حين ليشفع فيهم." فمن هذه الآيات نفهم أن عمل المسيح عملاً كاملاً تاماً، يعطي الإنسان خلاصاً إلى التمام إذ يعطي له "بر الله" لكي يتبرر به الإنسان فلا يحتاج إلى شيء آخر يُضاف فيما بعد.. مكتوب عن هذا "وأما الآن فقد ظهر برُّ الله بدون الناموس - أي بدون أعمال الناس- مشهوداً لهُ من الناموس والأنبياءِ. برُّ الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كلّ وعلى كلّ الذين يؤمنون." فإعلان الله في المسيح إعلاناً كاملاً تاماً لا يحتاج إلى حرف أو نقطة لتزاد عليه حتى أن الكتاب المقدس نفسه شهد قائلاً "لأني أشهد لكل مَن يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب إن كان أحدٌ يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب. وإن كان أحدٌ يحذف من أقوال كتاب هذه النبوة يحذف الله نصيبهُ من سفر الحياة ومن المدينة المقدَّسة ومن المكتوب في هذا الكتاب"

س: لكن هل تكميل المسيح للناموس والأنبياء بوصايا أعمق وأقوى يمثل عبئاً إضافياً على الإنسان؟
ج: قد يبدو الأمر كذلك لأول وهله لأن المسيح إنما عمِّق الوصايا وأعطاها معناها الأكمل والأشمل. فمثلاً "قد سمعتم أنه قيل للقُدَماءِ لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحُكم" أما المسيح فقال "إن كل من يغضب على أخيهِ باطلاً يكون مستوجب الحكم."، "قد سمعتم أنه قيل للقُدَماءِ لا تزنِ." أما المسيح فقال "إن كل من ينظر إلى امرأةٍ ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه."، "أيضاً سمعتم أنهُ قيل للقُدماءِ لا تحنث بل أوفِ للرب أقسامك." أما المسيح فقال "لا تحلفوا البتَّة." كذلك قيل للقدماء "عينٌ بعينٍ وسنٌ بسنٍّ." أما المسيح فقال "لا تقاوموا الشرَّ. بل مَن لطمك على خدّك الأيمن فحوِّل لهُ الآخر أيضاً"، وقيل "تحبُّ قريبك وتبغض عَدُوَّك". أما المسيح فقال "أحِبُّوا أعداءَكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مُبغضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئُون إليكم ويطردونكم" الخ

من هذا يبدو أن المسيح قد "صعّب" الوصايا إذ زادها عمقاً، لكن هذا يُفسر جوهر الفرق بين العهد الجديد والعهد القديم، فالأخير كان يعتمد على مجهود الإنسان الشخصي وإمكانياته الخاصة التي يحاول بها أن يُرضي الله، لذلك أعطاه الله وصايا الناموس التي إن استطاع أحد أن يعملها يحيا بها، وكان الغرض منها أن يدرك الإنسان عجزه التام عن إرضاء الله وعن حفظ الوصايا ببره الذاتي، فيعترف بخطيئته ويطلب من الله الخلاص منها بنعمة الله أي بالإيمان بالمسيح يسوع، لذلك يقول الكتاب إن الناموس لم يكن قادراً أن يُحيي لذلك فتبرير الإنسان ليس بالناموس هذا لأن الناموس يعتمد على قدرة الإنسان ليعمل الوصايا ويحفظها، والإنسان غير قادر على ذلك لأن "الكتاب أغلق على الكل تحت الخطية"، لذلك يكمل الكتاب هذه الحقائق قائلاً "إذاً قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان." وعندما يؤمن الإنسان بالمسيح ينال حياة جديدة وخليقة جديدة، ويحل المسيح بالإيمان في قلبه وإذ يحل المسيح في القلب فهو يعمل في الإنسان بقدرته وليس بقوة الإنسان لكن بروح الله وبقدرة الله التي وَهَبت للإنسان كل ما يحتاجه ليحيا حياة تَقَوية في رضا الله بحسب المكتوب "كما أن قدرتهُ الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى..."

فخلاصة الأمر أن الإنسان بدون المسيح لا يقدر أن يعمل شيئاً كما قال المسيح نفسه "لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً" وهذا ما كان في العهد القديم، أما في المسيح فيقول المؤمن "أستطيع كل شيءٍ في المسيح الذي يقوّيني" وهذا ما صار في العهد الجديد "لا أنا بل نعمة الله التي معي." ولإلهنا كل المجد إلى الأبد آمين.

إيمان المسيحيين بالله

إيمان المسيحيين بالله
س: ماذا يؤمن المسيحيون عن الله؟ وماذا يعني المسيح ابن الله؟ هل يؤمنون بأن لله ابن؟
 ج: إن الكتاب المقدس، بعهديه القديم والجديد، يُعلن أن الله واحد: "... الرب إلهنا رب واحد" تثنية 4: 6. وعندما كان الرسول بولس في أثينا ووجد أنهم يعبدون آلهة كثيرة، نادى لهم بالإله الواحد ونهاهم عن عبادة الأصنام. وقال عن الله: "... فبهذا الإله الذي تعبدونه ولا تعرفونه، أنا أبشركم. إنه الله الذي خلق الكون وكل ما فيه وهو الذي لا يسكن في معابد بنتها أيدي البشر لأنه رب السماء والأرض...." أعمال 22: 17-31. إذن لا يوجد أي شك في أن الكتاب المقدس يُعلم أن الله هو إله واحد، وهذا ما يؤمن به كل مسيحي حقيقي.

أما عن الجزء الثاني من السؤال فمن المؤكد أن المقصود بهذه العبارة ليس كما يظن البعض وهو أن الله تعالى اتخذ من مريم زوجة وأنجب منها المسيح، حاشا وكلا. فالله روح، وفقا لتعليم المسيح نفسه، فكيف يمكن أن تنسب إليه تعالى أعمالا بشرية جسدية-؟ إن المسيح كما يوضح الإنجيل المقدس، كائن قبل أن يولد من العذراء مريم. و كلمة الله الأزلي الكائن منذ البدء مع الله.

لقد أطلق على السيد المسيح عدة ألقاب منها: ابن الله، وابن الإنسان، إلى غير ذلك... فدعني أسألك، هل للمسيح أب بشري؟ جميع الكتب تقول لا. إذن، كيف ندعوه ابن الإنسان؟ هذه العبارة لا تستعمل بالمعنى الحرفي. بكل بساطة تعني "كان للمسيح طبيعة إنسانية"، كان له جسد كأي إنسان آخر. إذن التفسير المنطقي لقولنا "ابن الله" يعني: "ذاك الذي له طبيعة الله".

دعني أعطيك مثلا آخر: نستطيع أن نقول بيرم التونسي (شاعر تونسي مشهور) فهل هذا يعني أن أبوه تونس (البلد) أو أن تونس تزوجت وأنجب بيرم؟ أم نقول أن بيرم من تونس؟ وكذلك يمكن القول عن بيرم أنه ابن تونس إذ نقصد نفس المعنى. فهو تعبير مجاز في اللغة العربية. وما نقصده هو أن المسيح ليس له أب أرضي بل من عند الله لذلك يقول عنه الكتاب "ابن الله" نظراً لطبيعته.

إذن المقصود بعبارة "ابن الله" هو أن للمسيح طبيعة الله وصفاته. وتسميه "ابن الله" لم يطلقها على المسيح تلاميذه بل الله ذاته: "... وتعمد (يسوع) في نهر الأردن على يد يوحنا. وحالما صعد من الماء، رأى السماوات قد انفتحت، والروح القدس هابطا عليه كأنه حمامة، وإذا صوت من السماوات يقول: أنت ابني الحبيب، بك سررت كل سرور-" مرقس 9: 1-11. وقد شهد عنه يوحنا بن زكريا (يحي بن زكريا) قائلا: "إنه هو من السماء ولذلك فهو متقدم على الجميع. وهو يشهد بما سمع ورأى ولا أحد يقبل شهادته: على أن الذي يقبل شهادته يُصادق على أن الله حق. (يوحنا 31: 3-33).

إن أقوال المسيح وأعماله ومعجزاته وحياته الخالية من ظل أية خطيئة كلها تؤكد الوهيته الحقيقية وهي أنه ليس مجرد نبي أو رسول، بل هو "ابن الله" الذي تجسد وتمم بموته الكفاري وبقيامته المجيدة الفداء لكل من يقبله رباً ومخلصاً.

الاثنين، 12 ديسمبر 2011

أنبياء آخرون بعد المسيح يكملون تعليمه

إن كان المسيح قد كمّل الناموس والأنبياء إذاً يمكن أن يأتي أنبياء آخرون بعد المسيح ليكملوا تعاليمه؟

ج: هذا الافتراض لكي يكون صحيحاً يستلزم أن يكون المسيح مثل باقي الأنبياء، ولو كان الأمر كذلك لكان الحق الإلهي المُعلن للبشرية دائماً يحتاج إلى تكميل دون نهاية، لكن شكراً للرب فمحبة الله للبشر لم تسمح بهذا كما هو مكتوب "الله بعد ما كلَّم الآباءَ بالأنبياءِ قديماً بأنواعٍ وطرقٍ كثيرة كلَّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنهِ الذي جعلهُ وارثاً لكلِّ شيءٍ الذي به أيضاً عمل العالمين الذي وهو بهاءُ مجدهِ ورسم جوهرهِ وحاملٌ كلَّ الأشياءِ بكلمة قدرتهِ بعد ما صنع بنفسهِ تطهيراً لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي" فقديماً كلم الله الآباء بالأنبياء، أما في الإنجيل فقد كلمنا الله في ابنه. وهناك فارق كبير جداً بين "بالأنبياء" و"في ابنهِ"، بالأنبياء أي أن الله كان يوحي للنبي بكلامه والنبي يتكلم بكلام الله. أما في ابنه فتعني التجسد، تعني أن "الله ظهر في الجسد" كما هو مكتوب أيضاً "والكَلِمَة صار جسداً وحلَّ بيننا ورأينا مجدهُ مجداً كما لوحيدٍ من الآب مملوءًا نعمةً وحقاً." فالمسيح لا يتكلم بكلام الله بُناء على ما أوُحيَ إليه من الله كباقي الأنبياء لكنه يتكلم بكلام الله الحالّ فيه. فالمسيح هو كلمة الله، وأوضح لنا المسيح هذه الحقيقة بقوله "أنا في الآب والآب فيَّ." وأيضاً في قوله "أنا والآب واحد".

لذلك لا نجد المسيح يكتب كتاباً كباقي الأنبياء مثل اشعياء أو ارميا أو حزقيال أو دانيال أو غيرهم الذين كتبوا ما أُوحي به إليهم، أما المسيح فلم يكتب كتاباً لأنه هو نفسه الكتاب. فالمسيح هو كلمة الله الذي "حلَّ بيننا ورأينا مجدهُ مجداً كما لوحيدٍ من الآب مملوءًا نعمةً وحقاً."، والكتاب المقدس هو سيرة حياة المسيح الذي هو الله الذي ظهر في الجسد. مكتوب عنه في سفر اشعياء في الأنبياء في العهد القديم "ها العذراءُ تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمهُ عِمَّانوئيل." "الذي تفسيره الله معنا".

قال له أحد تلاميذه وهو فيلبس "يا سيد أرنا الآب وكفانا."، وقد تجاسر فيلبس وطلب هذا الطلب من تبجيله لشخص المسيح وإجلاله له فطلب منه المستحيل، ففيلبس يعلم أنه في القديم عندما طلب موسى من الله أن يرى مجده قال الله لموسى "لا تقدر أن ترى وجهي. لأن الإنسان لا يراني ويعيش." لكن هنا فيلبس من تأثره البالغ من حياة المسيح المجيدة الإلهية المقدسة، قال في نفسه إن المسيح يقدر أن يرينا الآب فطلب ذلك منه. لكن الأروع من هذا رد المسيح عليه "قال لهُ يسوع أنا معكم زماناً هذه مُدَّتهُ ولم تعرفني يا فيلبُّس. الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرِنا الآب. ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيَّ." أي أن المستحيل الذي يطلبه فيلبس أن يرى الآب قد صار واقعاً ملموساً في المسيح. فالمسيح في الآب والآب فيه ومن رأى المسيح فقد رأى الآب، لذلك فإنجيل ربنا يسوع المسيح هو الإنجيل الكامل كما قال يسوع "أنا هو الطريق والحقُّ والحياة." وهذا من نعمة الله ومحبته للبشر أنه خلَّصنا وافتدانا وكلَّمنا وأكمل كل شيء في المسيح يسوع، الله الذي ظهر في الجسد.
ثم إن المسيح قد أكمل العمل، وأكمل الرسالة الإلهية تماماً، فشهد المسيح نفسه على الصليب وقبل أن يستودع روحه بين يدي الله قائلاً "قد أُُكمل." ويؤكد العهد الجديد ذلك في رسالة العبرانيين حيث مكتوب عن المسيح إنه "بدم نفسهِ دخل مرَّةً واحدةً إلى الأقداس فوجد فداءً أبدياً." ويؤكد أيضاً قائلاً "فمن ثمَّ يقدر أن يخلّص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون بهِ إلى الله إذ هو حيٌّ في كل حين ليشفع فيهم." فمن هذه الآيات نفهم أن عمل المسيح عملاً كاملاً تاماً، يعطي الإنسان خلاصاً إلى التمام إذ يعطي له "بر الله" لكي يتبرر به الإنسان فلا يحتاج إلى شيء آخر يُضاف فيما بعد.. مكتوب عن هذا "وأما الآن فقد ظهر برُّ الله بدون الناموس - أي بدون أعمال الناس- مشهوداً لهُ من الناموس والأنبياءِ. برُّ الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كلّ وعلى كلّ الذين يؤمنون." فإعلان الله في المسيح إعلاناً كاملاً تاماً لا يحتاج إلى حرف أو نقطة لتزاد عليه حتى أن الكتاب المقدس نفسه شهد قائلاً "لأني أشهد لكل مَن يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب إن كان أحدٌ يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب. وإن كان أحدٌ يحذف من أقوال كتاب هذه النبوة يحذف الله نصيبهُ من سفر الحياة ومن المدينة المقدَّسة ومن المكتوب في هذا الكتاب"

النفس اتحادها بالجسد يقابل اتحاد اللاهوت بالناسوت

هل اتحاد النفس بالجسد في الإنسان ما يقابل اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص المسيح؟
الرد:
الإنسان مركب من جوهرين ممتازين وهما النفس والجسد فالنفس جوهر غير مادي أي ليس لها شئ من خواص المادة بل هي روحية أي لها جميع خواص الروح وهي فاعلة حساسة عاقلة حرة. أما الجوهر الذي نسميه بالجسد فهو مادي أي له خواص المادة وليس له شئ من خواص الروح واتحاد النفس بالجسد في الإنسان يقوم:
1 – بكونه اتحاداً شخصياً أي أنه يتألف من النفس والجسد في حال الاتحاد شخص واحد من الجنس البشري.
2 – بكونه اتحاداً خالياً من الامتزاج والاختلاط فإن النفس تبقي روحاً والجسد يبقى مادة والنفس والجسد لا يمتزجان بل يبقيان ممتازين ولا تنتقل خواص الواحد إلي الآخر؟
ومن نتائج هذا الاتحاد بين النفس والجسد في الإنسان الواحد:
1 – اشتراك الإنسان في صفات جوهرية أي أن له صفات النفس والجسد معاً بحيث يمكننا أن ننسب إلي الإنسان كل ما ننسبه إلي جسده وكل ما ننسبه إلي نفسه فنقول أنه طويل أو قصير ومريض أو صحيح وجميل أو قبيح وكذلك حاذق وحكيم وصالح ومحسن أو عالم فكل ما يصدق علي أحد جوهري بنيته يصدق عليه في جملته غير أنه ليس كل ما يصدق علي الواحد منهما يصدق علي الآخر.
2 – إمكان نسبة صفات متناقضة إلي شخص واحد فنقول مثلاً في إنسان واحد أنه ضعيف وقوي وأنه خالد وغير خالد وأنه يزول ويبقي إلي الأبد وأنه روح وتراب ورماد.
3 – إمكان تسمية الإنسان بأحد جوهري طبيعته والاختبار عنه بما يصدق علي الجوهر الآخر فقط مثلاً يمكننا أن نسميه نفساً ناطقة ونقول أنه يجوع ويعطش ونسميه إنساناً حياً ونقول أنه قابل للتجديد أي الولادة الثانية.
4 – اشتراك الإنسان في خواص جوهرية وأعمالها أي أن خواص كل من النفس والجسد بسبب اتحادها الشخصي هي خواص الإنسان بكليته وكذلك كل من أعمال النفس والجسد الخاصة هي أعمال الإنسان.
5 – ارتفاع شأن جسد الإنسان بسبب اقترانه بالنفس لأن ما يرفع الإنسان عن أجساد البهائم هو اتحاداً شخصياً بالنفس الناطقة الخالدة.
واتحاد اللاهوت والناسوت في أقنوم المسيح كاتحاد النفس والجسد في بنية الإنسان علي أنه لا يوجد مشابهة تامة بين شيئين في جميع أوصافهما وخواصهما وإنما في هذا التشبيه من العلاقات بين المشبه والمشبه به ما هو كاف لتقوية الإيمان وتفنيد الكفر وإيضاح الموضوع علي قدر الإمكان.

المغفرة فى المسيحية

المغفرة فى المسيحية
مكتوب في إنجيل مرقس "ومتى وقفتم تصلّون فاغفروا إن كان لكم على أحدٍٍٍٍ شئ لكي يغفر لكم أيضاً أبوكم الذي في السموات زلاتكم. وإن لم تغفروا أنتم لا يغفر أبوكم الذي في السموات أيضا زلاّتكم" فهل نفهم من هذا أن غفران الله لزلاتي مرتبط بغفراني لزلات الآخرين؟

ج: نعم.. هذا ما يعلمه الكتاب المقدس لنا، وهنا يقول الكتاب صراحة "ومتى وقفتم تصلون فاغفروا.." وهذا يعني أنه يجب أن نغفر للآخرين حتى يمكننا أن نصلي وتكون صلاتنا مقبولة لدى الله. ومن كلمة الله أيضا يمكننا أن نعرف بعض الأسباب لهذه الحقيقة الروحية منها:

أولا: إن الصلاة عبارة عن تقدم الإنسان إلى عرش نعمة الله
كما هو مكتوب "فلنتقدَّم بثقةٍ إلى عرش النعمة لكي ننال رحمةً ونجد نعمةً عوناً في حينهِ"، ونعلم أن الله يعطي نعمة للمتضعين وليس للمستكبرين. "لذلك يقول يقاوم الله المستكبرين وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة." وعدم الغفران للآخرين إنما هو مرتبط بالكبرياء وتشامخ الروح وغير ذلك من الصفات الغير مقبولة لدى الله والتي تمنع النعمة والغفران عن الإنسان.. أما المتواضعون فيعطيهم الله نعمة. فالإنسان المتضع والمنسحق الروح سيجد نفسه تلقائياً يطيع قول المسيح "فإن قدَّمت قُربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك فاترك هناك قربانك قُدَّام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك. وحينئذٍ تعال وقدََِّم قُربانك." وأيضاً سيتصور المسيح في الأخ المتضع والمنسحق الروح فيختبر المكتوب "ليُرفَع من بينكم كل مرارةٍ وسخطٍ وغضبٍ وصياحٍ وتجديف مع كل خبث. وكونوا لطفاءَ بعضكم نحو بعضٍ شفوقين متسامحين كما سامحكم الله أيضاً في المسيح"

ثانيا: إن عدم الغفران مرتبط بالإدانة
مكتوب "لا تدينوا لكي لا تدانو. لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون. وبالكيل الذي بهِ تكيلون يكال لكم." ويضيف المسيح قائلا "ولماذا تنظر القَذَى الذي في عين أخيك. وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها. أم كيف تقول لأخيك دعني أُخرِج القَذَى من عينك وها الخشبة في عينك. يا مرائِي أَخرِج أولاً الخشبة من عينك. وحينئذٍ تبصر جيّداً أن تُخرِج القَذَى من عين أخيك."

فالإنسان الذي لا يغفر زلات الآخرين تكون عينه مركزه على هذه الزلات ومغلقة عن أخطائه هو وزلاته هو ضد الله وضد الآخرين فلا يقر بها ويتركها ليرحم كما هو مكتوب "مَن يكتم خطاياهُ لا ينجح ومَن يقرُّ بها ويتركها يُرحَم." أما الإنسان الخائف الله فهو لا يركز على زلات الآخرين تجاهه حتى لا يغفر لهم، بل يركز على طاعة الله حتى يستمتع باختبار المكتوب "تمّموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرَّة."

ثالثا: عدم الغفران مرتبط بعدم المحبة
لذلك يقول الرسول بطرس "ولكن قبل كل شئٍ لتكن محبَّتكم بعضكم لبعضٍ شديدةً لأن المحبَّة تستر كثرةً من الخطايا." مكتوب عن الرب يسوع المسيح "وسأَلهُ واحدٌ من الفريسيين ان يأكل معهُ فدخل بيت الفريسي واتكأَ. وإذا امرأَة في المدينة كانت خاطئَة إذ علمت أنه متكَّئٌ في بيت الفريسي جاءَت بقارورة طيبٍ ووقفت عند قدميهِ من ورائهِ باكيةٍ وابتدأَت تبلُّ قدميهِ بالدموع وكانت تمسحهما بشعر رأسها وتقبّل قدميهِ وتدهنهما بالطيب. فلَمَّا رأَى الفريسي الذي دعاهُ ذلك تكلَّم في نفسهِ قائلا لو كان هذا نبيَّاً لعلم مَنْ هذه الامرأة التي تلمسهُ وما هي. إنها خاطئَة. فأجاب يسوع وقال لهُ يا سمعان عندي شئٌ أقولهُ لك. فقال قُلْ يا معلّم. كان لمداينٍ مديونان. على الواحد خمسمئَة دينارٍ وعلى الآخر خمسون. وإذ لم يكن لهما ما يوفيان سامحهما جميعاً. فقُلْ. أيُّهما يكون أكثر حبَّاً لهُ. فأجاب سمعان وقال أظنُّ الذي سامحهُ بالأكثر. فقال لهُ بالصواب حكمت. ثم التفتَ إلى المرأَة وقال لسمعان أَتنظر هذه المرأَة. إني دخلت بيتك وماءً لأجل رجليَّ لم تُعطِ. وأمَّا هي فقد غسلت رجليَّ بالدموع ومَسَحتهما بشعر رأسها. قُبلةً لم تقبّلني. وأمَّا هي فمنذ دخلت لم تكفّ عن تقبيل رجليَّ. بزيتٍ لم تدهن رأْسي. وأما هي فقد دهنت بالطيب رجليَّ. من أجل ذلك أقول لك قد غُفِرَت خطاياها الكثيرة لأنها أحبَّت كثيراً. والذي يُغفَر لهُ قليلٌ يحبُّ قليلاً. ثم قال لها مغفورة لكِ خطاياكِ… إيمانكِ قد خلَّصكِ. اذهبي بسلامٍ"

فالإنسان الذي لا يحب لا يغفر للآخرين فلا يظن ذلك الإنسان إنه ينال غفراناً من الله لأن الله محبة، أما تلك المرأة فقد أحبت كثيراً فغُفرَت خطاياها الكثيرة، لذلك قدًّم لنا الله الفداء والغفران بدم يسوع المسيح "لأنهُ هكذا أحبَّ الله العالم حتى بذل ابنهُ الوحيد لكي لا يهلك كلُّ مَنْ يؤمن بهِ بل تكون لهُ الحياة الأبديّة." كما هو مكتوب أيضاً عن المسيح "الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته"

هكذا نتعلم أن عدم الغفران لزلات الآخرين يجعلنا تحت غضب الله لأننا جميعنا في الموازين إلى فوق. فمن أنا لكي أدين أو لا أغفر لأخي مكتوب "لا يذمَّ بعضكم بعضاً أيها الإخوة. الذي يذمُّ أخاهُ ويدين أخاهُ يذمُّ الناموس ويدين الناموس. وإن كنت تدين الناموس فلست عاملاً بالناموس بل ديَّاناً لهُ. واحدٌ هو واضع الناموس القادر أن يخلّص ويهلك. فمن أنت يا مَنْ تدين غيركَ"

مكتوب عن المسيح "وقدَّم إليهِ الكتبة والفريسيون امرأَةً أُمسِكَتْ في زناً. ولما أقاموها في الوسط قالوا لهُ يا معلّم هذه المرأَة أُمسِكَتْ وهي تزني في ذات الفعل. وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه تُرجَم. فماذا تقول أنت." ترى ماذا قال المسيح؟ "قال لهم مَنْ كان منكم بلا خطيَّة فليرمِها أوَّلاً بحجرٍ." وبناء على هذا التعليم فمن كان منا بلا خطية فلا يغفر للآخرين. ومن منا بلا خطية.

س: لكن "كم مرَّةً يخطئُ إلىًّ أخي وأنا أغفر لهُ. هل إلى سبع مرَّات؟"
ج: هكذا سأل بطرس الرب يسوع المسيح. فبماذا أجابه؟ "قال لهُ يسوع لا أقول لك إلى سبع مرَّاتٍ بل إلى سبعين مرَّة سبع مرَّات." ثم قال له هذا المثل "لذلك يشبه ملكوت السموات إنساناً ملكاً أراد أن يحاسب عبيدهُ. فلما ابتدأَ في المحاسبة قُدِّم إليهِ واحدٌ مديون بعشرة آلاف وزنة. وإذ لم يكن لهُ ما يوفي أمر سيدُهُ أن يُباع هو وامرأَتهُ وأولادهُ وكل مالهُ ويُوفَي الدين. فخرَّ العبد وسجد لهُ قائلاً يا سيّد تمهَّل عليَّ فأوفيك الجميع. فتحنَّن سيّد ذلك العبد وأطلقهُ وترك لهُ الدين. ولما خرج ذلك العبد وجد واحداً من العبيد رُفَقائهِ كان مديوناً له بمئَة دينار. فأمسكهُ وأخذ بعنقهِ قائلاً أَوفِني مالي عليك. فخرًّ العبد رفيقهُ على قدميهِ وطلب إليهِ قائلاً تمهّل علىًّ فأوفيك الجميع. فلم يُرِدْ بل مَضَى وألقاهُ في سجنٍ حتى يوفي الدين. فلما رأى العبيد رفقاؤُهُ ما كان حزنوا جداً وأتوا وقصُّوا على سيّدهم كل ما جرى. فدعاهُ حينئذٍٍ سيّدهُ وقال لهُ. أيُّها العبد الشرير كل ذلك الدين تركتهُ لك لأنك طلبت إليًّ. أفما كان ينبغي أنك أنت أيضاً ترحم العبد رفيقك كما رَحِمتُكَ أنا. وغضب سيّدهُ وسلّمهُ إلى المعذّبين حتى يوفي كل ما كان لهُ عليهِ. فهكذا أبي السماوي يفعل بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحدٍ لأخيهِ زلاَّتهِ."

وبهذا المثل علمنا المسيح كيف ينبغي أن نرحم اخوتنا وهكذا يتم فينا المكتوب "فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم"

ليهبنا الله نعمة لنتضع ونحب ولا ندين الآخرين بل نغفر للمذنبين إلينا فنستطيع أن نصلي قائلين "واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا. ولا تدخلنا في تجربةٍ. لكن نَجِّنا من الشرِّير. لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين."

الأحد، 11 ديسمبر 2011

المسيحية وشريعة العهد القديم

لماذا لا تتبع المسيحية شريعة العهد القديم، بينما هي لم تنقضها حسب قول السيد المسيح " لا تظنوا إنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل " (مت 17: 5). فلماذا لا تسير المسيحية بمبدأ " عين بعين، وسن بسن " ولا داعى لعبارة " من لطمك على خدك حول له الآخر "، وما يشبهها. وإلا تكون قد نقضت الناموس؟!


الجواب: لاحظ أن السيد المسيح لم يقل فقط ما جئت لأنقض، وإنما أضاف بل لأكمل. وعبارة أنه جاء ليكمل لها معنيان:

الأول: إنه جاء يكمل فهم اليهود للشريعة. فاليهود ما كانوا علي فهم سليم للشريعة. حتى أن شريعة السبت مثلاً، كانوا يفهمونها بطريقة حرفية بحتة، فلا يعمل الإنسان أى عمل في السبت، حتى فعل الخير.. لدرجة أنه حينما قام السيد المسيح بمعجزة كبيرة، في يوم سبت، وهى منح البصر لشخص مولود أعمى، قابلوا هذا الإنسان بعد أن أبصر وقالوا له إن الذى شفاه إنسان خاطئ!! (يو 24: 9) لمجرد أنه صنع المعجزة في يوم السبت!! وهى منح البصر لشخص مولود أعمى قابلوا هذا الإنسان بعد أن أبصر وقالوا له إن الذي شفاه إنسان خاطئ!! (يو 24: 9) لمجرد أنه صنع المعجزة في يوم سبت!! وقد جادلوا المسيح في عناد عن " هل يحل الإبراء في السبوت؟ لكى يشتكوا عليه (مت 10: 12). وما أكثر المجادلات التى دخلوا فيها لحل مشكلة " هل يحل في السبت فعل الخير؟!" (لو9: 6) (مت 12: 12).

فماذا كان تكميل فهمهم في وصية عين بعين وسن بسن؟ وصية " عين بعين، وسن بسن " كانت للأحكام القضائية، وليست للمعاملات الشخصية. بدليل أن يوسف الصديق لم يعامل أخوته بوصية " عين بعين، وسن بسن " ولم ينتقم لنفسه من الشر الذي صنعوه به، وإنما أكرمهم في مصر، وأسكنهم في أرض جاسان، واعتنى بهم " (تك 17: 50-21). وداود النبى لم يكافئ شاول شراً بشر، بل احترمه في حياته. وفي وفاته رثاه بعبارات مؤثرة (2صم 17: 1-25). وأحسن إلي كل أهل بيته...

ثانياً: عبارة يكمل تعنى أيضاً يكمل لهم طريق السمو والقداسة. وبخاصة لأن العهد الجديد بدأت تزول فيه العبادة الوثنية التى كانت منتشرة طوال العهد القديم. وعمل الإيمان في قلوب الناس، إلي جوار عمل الروح القدس فيهم، ومؤازرة النعمة لهم. فكان يمكن لهم أن يتقدموا في حياة الروح ويسلكوا بسمو أعلى من ذى قبل. وتكملة الطريق الروحى، لم يكن فيها نقد للقديم.

+ فمثلا قال لهم السيد المسيح " سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن، أما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلي إمرأة ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه " (مت 28،27: 5). هنا الوصية القديمة " لا تزن " لا تزال قائمة لم تنقض. لكن أضيف إليها معنى أعمق، هو عفة القلب والنظر، وليس مجرد عفة الجسد...

+ مثال آخر: قال السيد " قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم. أما أنا فأقول لكم كل من يغضب علي أخيه باطلاً، يكون مستوجب الحكم" (مت 22،21: 5). هنا الوصية القديمة " لا تقتل "، لا تزال قائمة لم ينقضها؟ ولكن أضيف إليها منع الغضب الباطل، علي أعتبار أن القتل خطوته الأولى هي الغضب، كما أن الزنى خطوته الأولى هي شهوة القلب...إذن السيد المسيح لم ينقض العهد القديم. بل شرح روح الوصية، ومنع الخطوة الأولى إلي الخطية. ويعوزنا الوقت إن دخلنا في كل التفاصيل بالنسبة إلي كل الوصايا، فهذا يحتاج إلي كتاب كامل، وليس إلي مجرد مقال أو أجابة سؤال. كذلك ليس العهد القديم فيه الوصايا العشر فقط، إنما توجد فيه وصايا وتعاليم أدبية كثيرة فيها سمو كبير. وقد خفى ذلك على عديد من معلمى اليهود. لذلك قال لهم السيد المسيح في مناسبة أخرى: " تضلون إذ لا تعرفون الكتب " (مت 29: 22).

المسيح جاء للخلاص وما زال الناس يخطئون

إن كان المسيح قد جاء ليخلص الناس من الخطية، فلماذا نري أن الناس لا يزالون يخطئون؟!


أولاً إن المسيح جاء يخلص الناس من عقوبة الخطية.
وهكذا فداهم، ودفع الثمن عنهم بدمه الطاهر. وإن كانت " أجرة الخطية هي موت " (رو 6: 23)، فقد مات المسيح عنا، حتى ننجو جميعاً من عقوبة الخطية.
أما عن الخلاص من الخطية ذاتها.
أي من فعل الخطية، فنحب أن نقول إن فعل الخطية مرتبط بالحرية. فمادام الإنسان حراً، يمكنه أن يفعل الخطية أو لا يفعل. طريق الخير مفتوح أمامه، وطريق الشر كذلك.و هو بحريته يختار ما يشاء. وهكذا يكون له الثواب أو العقاب من الله.
فعصمة الإنسان من الخطية، معناها إلغاء حريته.
والله لا يلغي نعمة الحرية، بمنحه العصمة.
إنما يريد أن يسمو الإنسان عن فعل الخطية بكامل حريته. وللوصول إلي هذا، فإن السيد المسيح منح الناس إمكانيات للبر ز منحهم نعمته العاملة فيهم (1 كو 15: 10)، وروحه القدوس الذي يسكن فيهم (1 كو 3: 16). ومنحهم تجديداً لطبيعتهم (أف 4: 24) بحيث تكون قادرة علي فعل الخير ومقاومة الشر أكثر من ذي قبل، وبهذا يخلصهم من الخطية. كذلك فتح لهم باب التوبة يتخلصون من الخطية.

وهناك فرق بين الخلاص من عقوبة الخطية، والخلاص من فعل الخطية. فالخلاص من عقوبة الخطية تممه المسيح بدفع ثمن الخطية.
حمل خطايانا، ومات عنا علي الصليب، فداء لنا... وكما تنباً عنه إشعياء النبي قائلاً: كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحد إلي طريقه.و الرب وضع عليه إثم جميعنا " (إش 53: 6). وما دامت " أجرة الخطية هي موت " (رو 6: 23) و" بدون سفك لا تحدث مغفرة " (عب 9: 22). لذلك هو سفك دمه من أجلنا علي الصليب، ومات نيابة عنا. " لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية " (يو 3: 16).

وهكذا تم الخلاص من عقوبة الخطية، لكل من يؤمن بفداء المسيح له.
أما عن الخلاص من فعل الخطية، فقد قدم المسيح إمكانيات لذلك.
أعطانا تجديداً في الطبيعة، وقدرة علي الانتصار في الحرب ضد الخطية. أعطانا النعمة العاملة فينا، وحينما تكثر الخطية، تزداد النعمة جداً (رو 5: 20).و أعطاناً أيضاً سكني الروح القدس فينا، فصرنا هياكل للروح القدس (1 كو 3: 16). وننال قوة من الروح القدس (أع 1: 8). وهو يبكتنا علي الخطية (يو 16: 8) ويقودنا في الحياة الروحية (رو 8: 14). مع سائر بركات العهد الجديد...
ومع كل تلك الإمكانيات، تركنا علي حريتنا في استخدامها أم لا...
ذلك لأن نعمة الإمكانيات الروحية، لا يجوز أن تلغي نعمة الحرية.
ليس منطقياً أن نعمة تلغي نعمة أخري...
فنعمة البنوة لله، ونعمة الطبيعة الجديدة، ونعمة عمل الروح القدس فينا، ونعمة أسرار الكنيسة وفاعليتها.. كلها لا تلغي نعمة حرية الإرادة. لأننا لو فقدنا الحرية، لا نكون علي صورة الله كما سبق وخلقنا (تك 1). ولا نكون مستحقين للمكافأة في الأبدية، لأن النعيم الأبدي إنما نناله مكافأة علي اتجاه إرادتنا بكامل حريتها نحو الخير...
إن الله لا يريدنا أن نكون مسيرين نحو الخير، بل نفعله بإرادتنا. لذلك لم يخلصنا من الخطية بغير إرادتنا. وإنما تركنا لنجاهد في التخلص منها مسنودين بنعمته. حتى تكون لنا مكافأة علي هذا الجهاد الروحي.
ففي مثل (الحنطة والزوان) نجد أن الله ألقي في الحقل " زرعاً جيداً " هو الحنطة (القمح). ثم جاء عدو الخير، فألقي زواناً في وسط الحنطة.و لما جاء خدام الرب، وقالوا له: أتريد أن نذهب ونقلع الزوان؟ أجابهم: لئلا تقعلوا الحنطة مع الزوان... دعوهما ينميان كلاهما معاً إلي الحصاد " (مت 13: 24 – 30).
و هكذا نجد الخير ينمو في العالم، والشر أيضاً ينمو.
أمثلة كثيرة في العالم لنمو والخير، وأمثلة أخري كثيرة لنمو الشر. والرب تارك الناس علي حريتهم.و نعمته تعمل.و الناس أيضاً أحرار في قبول عمل النعمة فيهم، أو عدم قبوله.و يكون الخلاص من الخطية نتيجة لإشتراك الإرادة البشرية والحرية البشرية مع نعمة الله العاملة لخلاصهم.

أما متي يخلص الناس نهائياً من الخطية؟ فذلك في الأبدية.
حينما يكلل الناس بالبر إلي الأبد،و لا تكون خطية فيما بعد... ويفرح الناس بنتيجة جهادهم.و نذكر هنا قول القديس بولس الرسول " جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان. وأخيراً وضع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل.و ليس لي فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً " (2 تي 4: 7، 8).

هذا هو إكليل البر، يتكلل به الأبرار في يوم الدينونة، بعد القيامة العامة. ويقول عنهم الرب " يكونون كملائكة الله في السماء " (مت 22: 30).
أما الحياة علي الأرض، فهي فترة لإختبار إرادتنا. وهي فترة جهاد ضد الخطية، وضد الشيطان وأعوانه (أف 6: 10 – 18). وطوبى للغالبين. فقد وعد الرب بوعود عظيمة جداً لكل من يغلب (رؤ 2، 3). ووبخ الرسول من يتكاسلون في جهادهم قائلاً " لم تقاوموا بعد حتى الدم، مجاهدين ضد الخطية " (عب 12: 4).

السبت، 10 ديسمبر 2011

الله الآب هل من الرحمة أن يُسلم إبنه للصلب

الله الآب هل من الرحمة أن يُسلم إبنه للصلب
هل من الرحمة والعدل أن يسلم إبنه المظلوم؟
هل من الرحمة أن يُسلم الأب ابنه للصلب دون أن يقترف إثماً أو جريمة ما تستحق هذه العقوبة؟ وما الفائدة التربوية التي نتعلمها من مثل هذا التصرُّف؟ فما بالك إذا كان الآخر ابن الإله؟ وكيف يثق خلقه به إذا كان قد ضحى بالبار البريء من أجل غفران خطيئة مذنب آخر؟ هل يُعجبه أن يصفه أحد خلقه بالقسوة وعدم الرحمة؟ (اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ) رومية 8: 31-32
ولو كان الصلب والفداء لغفران خطيئة آدم وحواء – فكيف يكفر عن خطيئة الشيطان؟ وهل سيضطر إلى النزول مرة أخرى والزواج من شيطانة لينجب شيطاناً يصلب عن الشياطين؟ أليست خطيئة الشيطان أعظم وأجل؟
وهل يعقل أن تكون قوانين الأمم المتحضرة اليوم أعدل من قانون الله، حيث إنها لا تحاسب الإنسان على فعل غيره ولو كان ابنه أو أباه؟ كيف تكون عملية الصلب والقتل وإسالة دم البريْ رحمة وهبة للبشرية؟

الإجابة
كلامك ذكرني بعبارة جميلة قالها رئيس الكهنة قيافا وهو يتشاور على قتل يسوع, لقد قال "لاَ تُفَكِّرُونَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا وَلَمْ يَقُلْ هذَا مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيسًا لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ، وَلَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ، بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ اللهِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ." (أنجيل يوحنا 11: 50-52).
لماذا ذكرت هذا الكلام؟.. لأنك بنظرتك السطحية القاصرة فكرت في عدم شفقة الآب على ابنه, ولم تنظر إلى هذا الكم من الرحمة التي أعطيت للبشر.
كان من الممكن عزيزي السائل أن أتفاعل معك لو أن المسيح لم يختر طواعية أن يقوم بهذا العمل الفدائي. ولكن محبة الله تجلت في محبة المسيح, الذي أراد أن يفدي البشر جميعاً, وبالتالي لا يكون هناك أي ظلم. لقد اختار المسيح هذا الأمر. لاحظ ماذا يقول الرب يسوع عن طواعية العمل الفدائي ومحبة الآب له ومحبته للناس (الخراف) الذين يبذل نفسه عنهم، "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَجِيرٌ، وَلَيْسَ رَاعِيًا، الَّذِي لَيْسَتِ الْخِرَافُ لَهُ، فَيَرَى الذِّئْبَ مُقْبِلاً وَيَتْرُكُ الْخِرَافَ وَيَهْرُبُ، فَيَخْطَفُ الذِّئْبُ الْخِرَافَ وَيُبَدِّدُهَا. وَالأَجِيرُ يَهْرُبُ لأَنَّهُ أَجِيرٌ، وَلاَ يُبَالِي بِالْخِرَافِ. أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي، كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ. وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هذِهِ الْحَظِيرَةِ، يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضًا فَتَسْمَعُ صَوْتِي، وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ. لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي»." (يوحنا 10: 11-18).
هل انتبهت إلى حرية الإرادة التي يتمتع بها الابن، والتي هي صدى لمحبة الآب له ومحبته للآب وخضوعه لوصية الآب التي قبلها منه. أريدك أن تنتبه أيضاً إلى الخراف الأخر التي ليست من هذه الحظيرة، فأنت مدعو يا أخي السائل أن تَنضَمَّ إلى الحظيرة التي يريد أن يوحدها السيد المسيح، فهل تقبل الدعوة؟!
تسأل
ولو كان الصلب والفداء لغفران خطيئة آدم وحواء – فكيف يكفر عن خطيئة الشيطان؟ وهل سيضطر إلى النزول مرة أخرى والزواج من شيطانة لينجب شيطاناً يصلب عن الشياطين؟ أليست خطيئة الشيطان أعظم وأجل؟
هناك حقيقتان هامتان, أن هذا الكتاب يتكلم عن فداء البشر, فلماذا تشغل نفسك بمشكلة غيرك؟ لقد خلق الله الإنسان بمنزلة عظيمة, فيصفه الكتاب أنه خُلِق على صورة الله, ومن الطبيعي أن يسعى الله لإنقاذ من هو على صورته, أما الشيطان فهو أحد خدام الله, وقد اختار الهلاك من خلال تمرده وتعدّيه. إن البحيرة المتقدة بنار هي مُعدة لإبليس وجنوده, لقد أعد منذ القديم عقاب الشيطان, فلماذا تظن أنه سيفديهم! من أعد لهم القصاص لا ينوي فداءهم.
والأسباب لهذا كثيرة, فإننا نرى أن آدم قد أغوي (مضحوك عليه), أما إبليس فقد اختار طواعية أن يتمرد على الله. كما أن إبليس ولأنه تعدّى على الله من دون غواية، بل في تجبر وكبرياء قلبه، فقد سقط بدون رجعة، فمن هذا المنطلق لا ينطبق مبدأ الفداء على الملائكة أو الشياطين الساقطة، ناهيك عن أن الملائكة أرواح مخلوقة من ريح ونار (انظر عبرانيين 1: 7)، وليس لها دم مثل البشر، لذلك الفداء من هذا الجانب لا يصلح للملائكة، لأن الكتاب المقدس يذكر أنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة للخطايا (عب 9: 22)، لسبب بسيط وهو أن نفس الإنسان في دمه كما يرد في (اللاويين 17: 11), اقرأ معي هذه الآية (لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْس).
أما الإنسان فلإنه مخلوق يعيش بواسطة الدم الذي إن نفذ من جسده مات وأصبح الجسد عاجزاً، لذلك ينطبق عليه مبدأ الفداء المبني على سفك الدم. إذاً نجد أن الفارق شاسع بين أمرين تحاول أنت أن تساوي بينهما. ليتك تهتم بخلاص نفسك بدلاً من اهتمامك بالطريقة التي سيفدي بها الله الشيطان. الموضوع لايهمك في شيء. أما سؤالك الآخر،
وهل يعقل أن تكون قوانين الأمم المتحضرة اليوم أعدل من قانون الله، حيث إنها لا تحاسب الإنسان على فعل غيره ولو كان ابنه أو أباه؟ كيف تكون عملية الصلب والقتل وإسالة دم البريْ رحمة وهبة للبشرية؟
وأنا بدوري أسألك, وهل يكون الله اقل عدلاً من تلك الدول التي تصر على أن تقيم الجزاء على كل من يُخطئ؟.. إن مجرد كسر إشارة مرور له ثمن في الدولة, أما عند الله فيمكن للقاتل أن ينجو بفعلته تحت مسمى أن الله غفور رحيم (أتكلم بحسب مفهومك أنت وما جاء في شريعتك), هل هذا عدل؟ وهل ترضى ان يكون الله أقل عدلاً من البشر لأنه غفور رحيم؟
صدقني.. إن الفداء الإلهي هو العلاج الطبيعي والوحيد لمشكلة العدل والرحمة, فالرحمة يمكن أن نستفيد بها عندما نثق أن عدل الله قد تم تنفيذه في يسوع المسيح. لقد عالج السيد المسيح مشكلة خطية آدم, فصار الطريق مفتوحاً أمام رحمة الله, فليتك تستثمر هذه الفرصة, التي ستنتهي بموتك. لأنه بموتك سيسأل الله عن ديونك, وسيجدها كثيرة وغير مدفوعة, وصدقني مهما كان ميزان حسناتك فهو لن ينجح أبداً في التغلب على سيئاتك, فالحسنات هي ما ينبغي على الانسان أن يفعلها, أما السيئات فهي واجبة العقاب, وإذا لم يدفع أحدٌ الفاتورة بالنيابة عنك فستكون واجبة الدفع بالنسبة لك. انتهز الفرصة الآن واسجد الى الله وثق أن السيد المسيح سوف يوفي الدين كاملاً.